أحمد فارس الشدياق
271
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
والكرنب ، والنطرون والرمل ، وبستة وعشرين جزءا أخرى لطعمه ولونه ، وقس على ذلك النشوق والخردل والزيت والصابون والخل مع أن هذا الأخير يستقطر من نوع من الشجر ، وقيل من المزر . فهؤلاء الناس الذين حكمهم كحكم سائر الناس في كونهم ترابا والى التراب يعودون ، قد خالفوهم في أنهم يأكلون التراب ويشربونه فحيا الإله عصا المحتسب . وهذا الطمع لقنهم أن يتّخذوا نبيذا من جميع الفواكه من أشهره نبيذ التفاح ، وقد كان عندهم في السابق بمنزلة الخمر في التنافس فيه ، فكانوا يسقونه الضيوف كما تسقى الصهباء . ثم أعود فأقول : إنه لا غرو أن يستطيب هؤلاء القوم ما ألفوه ، فإن العادة - كما يقال - خامس طبيعة ، أوليس أن هنود لويزانيا يأكلون نوعا من لتراب الأبيض بالملح بدل الخبز ؟ وهنود أرنو كوكو يأكلون أيضا نوعا من الطين اللزج الأبيض ؟ والزنج يستطيبون نوعا من الثمر على الخبز . أمّا الأمراء والأغنياء من الإنكليز فإنّهم يستخدمون طبّاخين فرنساويين ويتلذّذون بأنواع من الألوان . ويعجبني من مآكلهم طبخ الفاكهة الطرية واليابسة في العجين ، وذلك غير معروف لأهل مصر والشام ، وهو من بعض ما تعلّمته الإنكليز من الفرنساويين حتى صار عاما لغنيّهم وفقيرهم . وأكثر أسماء الطبيخ عندهم منقول من اللغة الفرنساوية . وعندي أن اشتهار الأطعمة الفاخرة في الشام إنّما عرف في زمن معاوية ، فإنه كان يتأنّق في الطعام ، ثم نقلت إليهم ألوان كثيرة من العجم كما يظهر ذلك من بقاء أسمائها عندهم . صلاتهم وطقوس عبادتهم ثم إنه من رسوم الكنيسة المتأصلة أن تقام الصلاة فيها يوم الأحد ساعتين في الصباح ، وساعة ونصفا في المساء ، وإن لم يحضر فيها غير ثلاثة نفر ، فتسمع في خلال ذلك من تكرير الأدعية والابتهالات ما يذهب بالصبر ، وبعد ذلك يقوم القسيس ويخطب فيهم . وأكثر الفلاحين يذهبون إلى الكنيسة حياء من جيرتهم أو خوفا من القسيس لأن قسيسي هذه الكنيسة لهم سطوة نافذة على الرعيّة ، ومتى قامت الصلاة نعسوا أو تناعسوا ، وقد بلغني أن أحد هؤلاء الخطباء لمّا شرع مرّة في